صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

258

تفسير القرآن الكريم

على فوات شيء وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه وإن وصوله لا يفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله . فإن قلت : بعض الإنسان ربما كان مقتضى ذاته أمورا لا يلائم نفسه كالفقر ، وسوء المزاج ، وقلة الاستعداد - ولا يرى سببا للخلاص ، إذ مقتضى الذات لا يزول ، فيحصل له غاية الإساء من هذا الوجه ، ولذلك قيل : « العلم بسرّ القدر يعطي النقيضين : الراحة الكلية والعذاب الدائم » فكيف يستقيم الحكم بعدم الأسى والحزن على فوات الأمور ؟ قلنا : ليس المراد نفي الأسى والفرح الصادرين عن الشخص بحسب الطبع ، بل المراد نفي صدورهما من العاقل على سبيل الاختيار المنبعث عن تصور الفائدة والنفع ، وليس للحزن فائدة فيما ذكر . ويمكن أن يقال : إن العالم بسرّ القدر لا يكون شقيا ، والشقي لا يكون عالما به فمن قال : « إن العلم بسر القدر يعطي النقيضين » فلا وجه له ظاهرا . وأما ما قيل في بيان عدم الإساء والفرح : إن الإنسان إذا علم أن ما فات منها ضمن اللّه تعالى العوض عليه في الآخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك ، وإذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه والحقوق الواجبة فلا ينبغي أن يفرح لذلك فكلام حسن محمود في المواعظ . فإن قلت : إذا كان عدم الحزن والفرح عند المضرة والمنفعة الواصلتين للإنسان ليس مقدورا له - إذ لا يملك أحد نفسه عند ورود أحدهما عن أحدهما - فكيف يلائم ويحسن هذا التعليل ؟ والعلة الغائية أو الغاية الذاتية للشيء ينبغي أن يكون بينها وبينه علاقة سببية ، أو أن تكون الغاية بحيث مترتبة على الفعل . قلنا : المراد به نفي الأثر المذهل صاحبه عن الصبر ، المانع له عن التسليم لأمر اللّه ، والفرح المطغي الملهي عن الشكر ، الموجب للبطر والاختيال ، فأما الحزن الذي لا يكاد أحد يخلو منه مع الاستسلام لحكم اللّه والسرور بنعمة اللّه مع إعطاء حقه - من الشكر - والتفطّن لما يلزمه من الانتقال والدثور والعمل بموجبه فلا بأس بهما .